فخر الدين الرازي

64

تفسير الرازي

الرئيس خيرهم وشرهم أو يؤول إليهم خيره وشره ، فالبعيد الذي لا يعرفه الرئيس ولا يعرف هو عين الرئيس وإنما يسمع اسمه ، فليس هو بآله ، إذا عرفت الفرق ، نقول : قوم الأنبياء الذين هم غير موسى عليهم السلام ، لم يكن فيهم قاهر يقهر الكل ويجمعهم على كلمة واحدة ، وإنما كانوا هم رؤساء وأتباعاً ، والرؤساء إذا كثروا لا يبقى لأحد منهم حكم نافذ على أحد ، أما على من هو مثله فظاهر ، وأما على الأراذل فلأنهم يلجئون إلى واحد منهم ويدفعون به الآخر ، فيصير كل واحد برأسه ، فكأن الإرسال إليهم جميعاً ، وأما فرعون فكان قاهراً يقهر الكل ، وجعلهم بحيث لا يخالفونه في قليل ولا كثير ، فأرسل الله إليه الرسول وحده ، غير أنه كان عنده جماعة من التابعين المقربين مثل قارون تقدم عنده لماله العظيم ، وهامان لدهائه ، فاعتبرهم الله في الإرسال ، حيث قال : في مواضع : * ( ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملائه ) * ( الزخرف : 46 ) وقال تعالى : * ( بآياتنا . . . إلى فرعون وهامان وقارون ) * ( غافر : 23 ، 24 ) وقال في العنكبوت : * ( وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى ) * ( العنكبوت : 39 ) لأنهم إن آمنوا آمن الكل بخلاف الأقوام الذين كانوا قبلهم وبعدهم ، فقال : * ( ولقد جاء آل فرعون النذر ) * وقال كثيراً مثل هذا كما في قوله : * ( أدخلوا آل فرعون أشد العذاب ) * ( غافر : 46 ) ، * ( وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه ) * ( غافر : 28 ) وقال : بلفظ الملأ أيضاً كثيراً . المسألة الثانية : قال : * ( ولقد جاء ) * ولم يقل في غيرهم جاء لأن موسى عليه السلام ما جاءهم ، كما جاء المرسلون أقوامهم ، بل جاءهم حقيقة حيث كان غائباً عن القوم فقدم عليهم ، ولهذا قال تعالى : * ( فلما جاء آل لوط المرسلون ) * وقوله تعالى : * ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم ) * ( التوبة : 128 ) حقيقة أيضاً لأنه جاءهم من الله من السماوات بعد المعراج ، كما جاء موسى قومه من الطور حقيقة . المسألة الثالثة : النذر إن كان المراد منها الإنذارات وهو الظاهر ، فالكلام الذي جاءهم على لسان موسى ويده تلك ، وإن كان المراد الرسل فهو لأن موسى وهارون عليهما السلام جاءه وكل مرسل تقدمهما جاء لأنهم كلهم قالوا ما قالا من التوحيد وعبادة الله وقوله بعد ذلك : * ( كذبوا بآياتنا ) * من غير فاء تقتضي ترتب التكذيب على المجيء فيه وجهان أحدهما : أن الكلام تم عند قوله : * ( ولقد جاء آل فرعون النذر ) * وقوله : * ( كذبوا ) * كلام مستأنف والضمير عائد إلى كل من تقدم ذكرهم من قوم نوح إلى آل فرعون ثانيهما : أن الحكاية مسوقة على سياق ما تقدم ، فكأنه قال : ( فكيف كان عذابي ونذر وقد كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم ) ، وعلى الوجه الأول آياتنا كلها ظاهرة ، وعلى الوجه الثاني المراد آياته التي كانت مع موسى عليه السلام وهي التسع في قول أكثر المفسرين ، ويحتمل أن يقال : المراد أنهم كذبوا بآيات الله كلها السمعية والعقلية فإن في كل شيء له آية تدل على أنه واحد . وقوله تعالى : * ( فأخذناهم ) * إشارة إلى أنهم كانوا كالآبقين أو إلى أنهم عاصون يقال : أخذ الأمير فلاناً إذا حبسه ، وفي قوله : * ( عزيز مقتدر ) * لطيفة وهي أن العزيز المراد منه الغالب لكن العزيز قد يكون ( الذي ) يغلب على العدو ويظفر به وفي الأول يكون غير متمكن من أخذه لبعده إن كان هارباً ولمنعته إن